أبي منصور الماتريدي
197
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مصلحون ، إنما يهلك القرى إذا كان أهلها كلهم مفسدين ، أو عامة أهلها مفسدين ؛ هذا يدل [ على ] أن الحكم في الدار إنما يكون بغلبة أهلها : إن كان أكثر أهلها أهل الإسلام فالحكم حكم الإسلام ، وإن كان عامة أهلها أهل الحرب والكفر فالحكم حكمهم ، ولا يسمّى أهلها كلهم بالكفر والفساد إذا كان أكثر أهلها مصلحين ؛ ألا ترى أنه قال في قوم لوط : إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ سمى أهل [ القرية ] « 1 » قرية وإن كان فيها لوط وأهله مصلحون لم يعد لوطا وأهله من أهلها . وقوله : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ أي : لا يكون في إهلاكهم ظالما . ثم هو يخرج على وجهين : أحدهما : أن الخلق له ، فهو بإهلاكه لم يكن ظالما ؛ لأنه أهلك ماله . والثاني : أنه إنما يهلكهم بظلم كان منهم ؛ كقوله : وَما ظَلَمْناهُمْ . . . الآية ، أي : إنما يهلكهم بشيء اكتسبوه ، فهم بما اكتسبوا ظلموا أنفسهم ، وهو كقوله : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . وقوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً قالت المعتزلة : هذه المشيئة مشيئة القهر والقسر ، وذلك مما يدفع « 2 » المحنة ، ويزول لديه المثوبة والعقوبة ، وكذلك في قوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [ يونس : 99 ] . وأما عندنا فلو شاء لجعلهم أمة واحدة ، مشيئة لا تزول معها المحنة ، والذي يدل عليه خصال : أحدها : أن الله تعالى قد عرفنا الإيمان والدين الذي يقع به اجتماع ، أو فيه الاختلاف بما ركب فينا من العقول التي بها نعرف حقائق الأشياء ومجازاتها ، ومحاسن الأمور وقبيحها ، بمعونة السمع أو بالتأمل فيما يحس « 3 » بالأمرين جميعا أنه لا يكون إلا بالاختيار ، ولا يوصل إلى السبب الذي به يدان إلا بالاستدلال أو التعليم ؛ إذ هو طاعة وتصديق ، وذلك يكون ممن لا يحس « 4 » ، وطريقه الاجتهاد ، وكل ذي أضداد القسر ، فمحال أن يعود الكون لو شاء على وجه قد عرفنا أنه لا يكون سمعا وعقلا ، فيكون في الحقيقة كأنه قال لو شاء أن يكون لا يكون ، على أن ذا من يقبل عنه هذه الدعوى على قولهم ، وهو منذ كان الخلق بين أن كان فيما شاء إثباته من أفعال الخلق فلم يكن ولم
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : يرفع . ( 3 ) في أ : يحسن . ( 4 ) في أ : يحسن .